الجصاص

130

الفصول في الأصول

وحكى بعض من لا يرجع إلى دين ، ولا مروءة ، ولا يخشى من البهت والكذب : أن عيسى أبن أبان رحمه الله طعن في أبي هريرة رضي الله عنه ، وأنه روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : ( سمعت النبي عليه السلام يقول : إنه يخرج من أمتي ثلاثون دجالا . وأنا أشهد : أن أبا هريرة منهم ) وهذا كذب منه على عيسى رحمه الله ، ما قاله عيسى ، ولا رواه ، ولا نعلم أحدا روى ذلك عن علي في أبي هريرة ، وإنما أردنا بما ذكرنا : أن نبين عن كذب هذا القائل ، وبهته ، وقلة دينه . بل الذي ذكر عيسى في كتابه المشهور : هو ما قدمنا ذكره ، مع تقديمه القول في مواضع من كتبه بأنه عدل ، مقبول القول والرواية ، غير متهم بالتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن الوهم والغلط لكل بني آدم منه نصيب ، فمن أظهر ( 1 ) من السلف تثبتا في رواية تثبتنا فيها ، واعتبرناها بما وصفنا . فإن قيل ، قد روى عن أبي هريرة أنه قال : ( يزعمون : أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني كنت امرءا مسكينا ، أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني ، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإني شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا وهو يتكلم ، فقال : من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ، ثم يقبضه إليه ، ولا ينسى شيئا سمعه مني ، فبسطت بردة كانت علي ، حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته ، فقبضتها ، فما نسيت شيئا بعده ( 2 ) ( سمعته منه ) ) . ( 3 ) وكان أبو هريرة قد حفظ ما سمعه ، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فلذلك كانت روايته أكثر من روايات غيره . قيل له : أما قوله : إنهم يزعمون : أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يدل : على أنهم قد كانوا أنكروا كثرة روايته .